القاضي عبد الجبار الهمذاني

163

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ومما يبين صحة ما ذكرناه : أن الصحابة لم تنكر ما كان من جمع الناس على قراءة واحدة ، ولو كان الأمر على ما ظنوه لوجب أن تقع في ذلك التخطئة ، وقد علمنا أن المصاحف دوّنت ، واستمر « 1 » الدهر عليها ، وسلكوا الطريقة الأولى فيها ، ولم يقع فيه تناكر ، ولولا ذلك كان « 2 » يصح ما اتفق يوم صفين من فزع معاوية ومن تابعه ، على ضلالة ، إلى رفع المصاحف ، والرضا بالتحكيم ، في القرآن ، وقد كان يجوز أن يقول قائل في ذلك الوقت ، وبعد الرضا بالتحكيم والعقد فيه : كيف نرضى بالأمر المختلف فيه ، الّذي يصح فيه الزيادة والنقصان ، والتغيير والتبديل ، وفي إجماع الكل على ذلك دلالة على أن القرآن محروس ، وأن الّذي جرى في أيام الصحابة لم يكن لأنهم جمعوا ما لم يكن معلوما ، وإنما خافوا لحدوث الخلاف اليسير ، فيما ذكرناه ، حدوث غيره من الخلاف ، فجمعوا الناس على الحروف التي كان إجماعها حقا وصوابا ، دون الأمر الّذي وقع التنازع فيه ، مما حكيناه عن أبىّ ، وابن مسعود ؛ وعلى هذا الوجه نجد الأمة مكفرة لمن يجحد القرآن ، ويجحد السورة منه والآية ، كما يكفرون من يجحد تحريم الخمر والزنا ، ووجوب الصلوات الخمس ، وصوم شهر رمضان ؛ لأنهم يعلمون ذلك بالنقل ، على سبيل الاضطرار ، كما يعلمون غيره ، ولو كان الأمر كما قال القوم لما جاز تكفير من يجحد ذلك ، ولحل الجاحد له محل من يخالف في تأويله ، أو يجحد بعض السبب الّذي لم يتواتر ، وليس لأحد أن يقول : إذا جاز في المخالف ، أو بعض الموافقين أن لا يعرفوا حرفا من كلمة ، وأنها من القرآن ، فيجب أن يجوز ذلك ، في الكلمة ، ثم في الآية ، ثم في السورة ؛ وذلك يقدح في العلم الضروري به على الجملة ؛ وذلك لأنا نعلم أن

--> ( 1 ) كذا في النسختين ، ولعلها « استمروا » . ( 2 ) كذا في النسختين ، ولعل الأولى « ما كان » .